فخر الدين الرازي

28

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم سورة النازعات ( وهي أربعون وست آيات مكية ) [ سورة النازعات ( 79 ) : الآيات 1 إلى 5 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وَالنَّازِعاتِ غَرْقاً ( 1 ) وَالنَّاشِطاتِ نَشْطاً ( 2 ) وَالسَّابِحاتِ سَبْحاً ( 3 ) فَالسَّابِقاتِ سَبْقاً ( 4 ) فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً ( 5 ) فيه مسألتان : المسألة الأولى : اعلم أن هذه الكلمات الخمس ، يحتمل أن تكون صفات لشيء واحد ، ويحتمل أن لا تكون كذلك ، أما على الاحتمال الأول فقد ذكروا في الآية وجوها أحدها : أنها بأسرها صفات الملائكة ، فقوله : وَالنَّازِعاتِ غَرْقاً هي الملائكة الذين ينزعون نفوس بني آدم فإذا نزعوا نفس الكفار نزعوها بشدة ، وهو مأخوذ من قولهم نزع في القوس فأغرق يقال : أغرق النازع في القوس إذا بلغ غاية المدى حتى ينتهي إلى النصل ، فتقدير الآية : والنازعات إغراقا ، والغرق والإغراق في اللغة بمعنى واحد ، وقوله : وَالنَّاشِطاتِ نَشْطاً النشط هو الجذب يقال : نشطت الدلو أنشطها وأنشطتها نشطا نزعتها برفق ، والمراد هي الملائكة التي تنشط روح المؤمن فتقبضها ، وإنما خصصنا هذا بالمؤمن والأول بالكافر لما بين النزع والنشط من الفرق فالنزاع جذب بشدة ، والنشط جذب برفق ولين فالملائكة ، تنشط أرواح المؤمنين كما تنشط الدلو من البئر فالحاصل أن قوله : وَالنَّازِعاتِ غَرْقاً * وَالنَّاشِطاتِ نَشْطاً قسم بملك الموت وأعوانه إلا أن الأول إشارة إلى كيفية قبض أرواح الكفار ، والثاني إشارة إلى كيفية قبض أرواح المؤمنين ، أما قوله : وَالسَّابِحاتِ سَبْحاً فمنهم من خصصه أيضا بملائكة قبض الأرواح ، ومنهم من حمله على سائر طوائف الملائكة ، أما الوجه الأول : فنقل عن علي عليه السلام ، وابن عباس ومسروق ، أن الملائكة يسلون أرواح المؤمنين سلا رفيقا ، فهذا هو المراد من قوله : وَالنَّاشِطاتِ نَشْطاً ثم يتركونها حتى تستريح رويدا ، ثم يستخرجونها بعد ذلك برفق ولطافة كالذي يسبح في الماء فإنه يتحرك برفق ولطافة لئلا يغرق ، فكذا هاهنا يرفقون في ذلك الاستخراج ، لئلا يصل إليه ألم وشدة